محمد طاهر الكردي

556

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

نبلغ من ذلك بعض ما نريد . فاقصص علينا أمرك ولا تبطئ ، فإنك قد شوقتنا إلى حديثك هذا الذي تخفيه فتمعن في إخفائه ، وتلتوي به علينا أشد الالتواء " . قال الرومي : " إني لا أخفي عليكم شيئا ، ولا ألتوي عليكم بشيء ، ولكني أدير هذا الأمر في نفسي ولا أعرف كيف أباديكم به " . قال صفوان وهو يتكلف الضحك : " فبادنا به كيف شئت وعلى أي وجه أحببت ، فإني أخشى إن طال بك هذا الصمت وألح عليك هذا الالتواء أن نشق عن صدرك لنرى ما يضطرب فيه من عاطفة ، ونشج رأسك لنظهر على ما تدير فيه من رأي وما تجيل فيه من حديث " . قال الرومي وهو يبتسم : " ما أوفاكم إذا للجار ، وأرعاكم إذا للصديق ! " . قال صفوان : " فإنك مظهرنا على أمرك طائعا أو كارها ، فقد طال منكم الصمت ، وطال منا الإلحاح ، وقد تقدم الليل ، وإنا خليقون أن نبقى حولك حتى يدركنا الصبح نسألك ونلح عليك ، فأرح نفسك وأرحنا من السؤال والإلحاح " . قال الرومي وهو يظهر ترددا شديدا ، ويأخذ نفسه بالعنف لأنه يقدم على أمر عظيم : " فإن الأمر الذي أهمني لا يتصل بي وإنما يتصل بكم " . قال صفوان : " فذلك أجدى أن تبادينا به وتظهرنا عليه ! " . قال الرومي : " فإنه لا يتصل بحياتكم حين تأوون إلى بيوتكم ، أو تهرعون إلى هذا الحانوت أو تضطربون في الأرض ، وإنما يتصل بآلهتكم " . ولم يكد هؤلاء الفتيان من قريش يسمعون هذه الجملة حتى اندفعوا إلى ضحك غليظ متصل ، ثم سكت عنهم الضحك بعد حين ، فجعل بعضهم ينظر إلى بعض نظر المنكر لما سمع ، الساخر منه ، في شيء غريب من الفرح والمرح ، وفي إشارة إلى الغلام أن يملأ أقداحهم . ثم نظر صفوان إلى صديقه الرومي نظرة لا تخلو من استهزاء يشوبه الإشفاق وقال : " قد كنا نحسب أن التفكير في الآلهة والحديث عنهم أمر مقصور على نفر من قريش تقدمت بهم السن وتقلبت عليهم الحياة ، وفرغوا لهذا العبث ، فجعلوا يخوضون فيما ليس للناس ان يخوضوا فيه . ولكن الأمر قد تجاوز هؤلاء الشيوخ من قريش إلى جيراننا من الروم . أو مستك العدوي إذا ؟ أو جعلت تصبوا إلى ما يصبو إليه هؤلاء النفر من شيوخنا ، وتحرص على أن تمتاز بما يمتازون به من التحرج والتكلف ، وإنفاق الجهد فيما لا ينبغي أن ينفق فيه